علي بن محمد البغدادي الماوردي

37

أدب الدنيا والدين

الحكماء : لم لا يجتمع العلم والمال فقال : لعز الكمال . وأنشدت لبعض أهل هذا العصر : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحيي بالعلم ميت * فليس له حتى النشور « 1 » نشور ووقف بعض المتعلمين بباب عالم ثم نادى تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا ولا يسقم نفسا فأخرج له طعام ونفقة فقال : فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم إني طالب هدى لا سائل ندى « 2 » فأذن له العالم وأفاده عن كل ما سأل عنه فخرج جذلا « 3 » فرحا وهو يقول علم أوضح لبسا « 4 » خير من مال أغنى نفسا * وأعلم أن كل العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال . قيل لبعض الحكماء : من يعرف كل العلوم فقال : كل الناس « 5 » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه « 6 » حقه ووضعه في غير منزلته التي وصفه اللّه بها حيث يقول : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . وقال بعض العلماء : لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته لكنا قد بدأنا العلم بالنقيصة ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من العلم . وقال بعض العلماء : المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضا ولا يعرف طولا ولا عرضا وقيل . وقيل لحماد « 7 » الراوية : أما تشبع من هذه العلوم فقال : استفرغنا فيها المجهود فلم نبلغ منها المحدود فنحن كما قال الشاعر :

--> ( 1 ) النشور : القيام من القبور للبعث . ( 2 ) ندى : عطية أي شيئا من العطاء . ( 3 ) جذلا : على وزن كتف : مسرورا ، ومتبهجا . ( 4 ) لبسا : شبهة . ( 5 ) كل الناس : أي بطريقة انقسام الآحاد إلى الآحاد . ( 6 ) بخسه : ظلمه ونقصه ، وبابه فتح . ( 7 ) حمّاد الراوية : أبو القاسم حماد بن ميسرة الشيباني ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، لقب بالراوية ، لكثرة روايته لأشعار العرب . توفي سنة 165 .